إعجاز قرآنيالإعجاز التاريخي

الاعجاز التاريخي في القرآن والسنة

الإعجاز في القرآن والسنة هو إخبار القرآن الكريم بحقيقةٍ علمية مشهودةٍ, ثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم…

ومن المواضيع التي يتناولها القرآن والسنة كمواضيع علمية تتعلق بالحقائق الكونية التي لم تكن مدركة للبشر في زمن نزول القرآن ثم أثبتها العلم الحديث : الاعجاز التاريخي ، فقد أخبر القرآن وأخبرت السنة عن الحضارات السابقة وذكرت أحداثا وأمم وشخصيات وأماكن تاريخية تم اكتشافها حديثا بعد مرور حوالي15 قرنا على نزول الوحي .

 ومن أكبر أوجه الاعجاز التاريخي أن القرآن والسنة يحثان الناس على البحث في تاريخ الأمم السابقة لإدراك السنن الكونية التي تتحكم في تقرير مصير التجمعات البشرية وتوحي آيات القرآن الكريم وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بإدراك شامل وكامل لحقائق العلم والفكر والتاريخ، لأن الآثار تعتبر انعكاسا لتاريخ الشعوب، ونمط حياة أجيال متعاقبة، تبلغ آلاف السنين والآثار فيها رسالة سياسية، هذا بالإضافة إلى الرسالة الدينية والعقدية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية.

وقد وجه القرآن الكريم وسنة المصطفى عليه الصلاة واللام الإنسان للبحث وفق منهج متكامل في علم التاريخ من خلال:

  1. الحث على السير في الأرض والبحث عن الآثار المادية للحضارات الانسانية السابقة، فلولا تلك الآثار ما كان يستطيع العلماء من الوصول إلى الشواهد التاريخية

فأورد قصص الأنبياء للتذكرة والعبرة ولمعرفة الماضي بصورة عامة،

وأورد أماكن وجودهم في إشارات سريعة ولكنها مضيئة،

وأورد مصير حضاراتهم بحسب طبيعة معاملتهم لتوجيهات السماء

ففي الأردن مثلا أثبتت الحفريات أنها كانت منطقة زلازل راح ضحيتها أقوام من السابقين هم قوم لوط كما سنرى في البحث، كما أثبت القرآن الكريم أن فرعون موسى بقيت جثته لتكون آية لمن بعده، وما يزال يراها العابرون، كما أثبتت الكشوف أيضا وجود أهل الكهف ومدائن نبي الله صالح

وأيضا منطقة انشقاق البحر لموسى عليه السلام.

  1. الحث على السير في الأرض والبحث عن الأماكن الدالة على آثار بداية الخلق

لقد حدد القرآن الكريم منهج “السير في الأرض “وجعله شرطا أساسيا للبحث في هذا الموضوع وأكد عدم اتباع المضلين للوصول لتفسير ظهور الحياة

قال تعالى: “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق” العنكبوت آية20

وقال تعالى: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا) س الكهف51

 لقد شكل السير في الأرض المنهج العلمي المتبع في العصر الحديث عند أكبر المؤثرين في الفكر الحديث، واعتمد كل واحد منهم بدون استثناء السير في الأرض والبحث عن الأماكن الدالة على آثار بداية الخلق ومنها:

  • كالمغارات المتشكلة بعمليات التجمد والذوبان.
  • والكهوف المتشكلة بعد تفكك كربونات الكالسيوم.
  • ومواقع المتحجرات التي تحتوي على حفريات لها قيمة ملحوظة لطبقات باليوبيولوجية، والدالة على  الأنظمة الايكولوجية السابقة.
  • ومواطن التمعدن التي تحتوي على العديد من أصناف المعادن اهتمام استثنائي بالنسبة لتكوينها وأهميتها متعلقة بعلم البلورات البيترولوجية أوالجمالية أو التاريخية.
  • ومواطن الطبقات الستراتيغرافية: دراسة سلسلة الصخور والرواسب التي تمكن من إعادة تشكيل التاريخ الجيولوجي ولها اهتمام استثنائي بالنسبة لتكوينها الطبقي وأهميتهاالفينومينولوجية، البيترولوجية،البنائية، الهيكلية والتاريخية .
  • مأوى للنباتات والحيوانات المهددة بالانقراض مكان يختص باحتوائه على مجموعة من الصخور والرسوبيات  أي وسط جيولوجي يحتوي على حميلة بيئية وبخصائصه الصخرية والجيوكيميائية يصبح مكانا لمأوى للعديد من الأنواع  النباتية والحيوانية المهددة بالانقراض .
  • أماكن الجيومورفولوجيا : لتتبع تطور المناظر الجيولوجية .
  • الأماكن الناشئة عن آثار سقوط النيازك على الأرض .

وبهذا سبق القرآن الكريم العلم الحديث في تنظيم البحث العلمي في هذا الميدان وطرد الخرافة عنه:قال تعالى:” قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشأ  النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير“العنكبوت آية20،   وجعل منهج السير في الأرض شرطا أساسيا للبحث في هذا الموضوع .. والسير في الأرض منهج علمي متبع في الدراسات الحديثة لأنه يمكن من جمع المعلومات من مناطق متفرقة لتشكيل رؤية علمية عن بداية الخلق.

انسجام تام للرؤية القرآنية لظهور الحياة مع التفسير العلمي

             تنسجم الرؤية القرآنية في تفسيرها لظهور الحياة بانسجام تام مع التفسير العلمي الحديث لكرونولجيا خلق الأرض والسماوات..وكرونولوجيا ظهور الحياة. لقد أثبتت الدراسات الحديثة أن للخلق بداية، حيث ظهرت أول بكتيريا منذ حوالي 3.5 مليار سنة وارتبطت بظهور الماء، فالخلق ليس أزليا كما كانت تدعي نظريات التطور.

حيث تتفق جميع الدراسات الحديثة بأن ظهور الحياة فوق الأرض ارتبط بظهور الماء بعد مرحلة تشكل الأرض وبعد مرحلة التبريد التي خضعت له، فاستقرار الماء على الأرض لم يكن محض الصُدفة، لكن كان وفقًا لحسابات ووفقًا لشروط تتالت وتوفَّرت ووُضعت بصفة مذهلة ومُعجزة من طرف الخالق سبحانه الذي جعل الأرض مهيأة لاستقبال الماء واستقراره فيها دون غيرها من الكواكب السيّارة الأخرى، فمجيئ الماء مباشرة بعد تشكل الأرض مكنها من التبرد ومكن الحياة من الظهور حسب الترتيب المنطقي والتاريخي والعلمي الذي ذكرته الآية الكريمة:”أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيئ حي، أفلا يؤمنون؟”س الأنبياء30، وهكذا انسجم تفسير القرآن الكريم لظهور الحياة بانسجام تام مع كرونولجيا خلق الأرض والسماوات.

فالإعجاز التاريخي في القرآن

·        مرتبط بالآثار المادية للحضارات من جهة

·        ومرتبط أيضا بضرورة وجود وازع إيماني عند قراءة تلك الآثار

·        واعتبار تلك الآثار ملك للبشرية، وأن البشر مطالبون بالمحافظة عليها ماديا وثقافيا ، لأن تلك الآثار دليل على صدق القرآن الإعجازي 

كما أن الإعجاز التاريخي في القرآن والحديث النبوي يرتبط بالمستقبل البشري

فقد وضع القرآن محددات لمستقبل البشرية والكون بأسره

وأكد وراثة الأرض للعباد الصالحين

وحدد معالم يوم القيامة والآخرة

وتنبأ القرآن أيضا بمستقبل الأمم الحالية

وأكد أن الأرض ستشهد حروبا دامية يعقبها سلام دائم

مرتبط بالآثار المادية للحضارات

مرتبط بالمستقبل البشري

المنهج القرآني في رؤيته التاريخية منهج رياضي

في هذا المحور نكتب عن المنهج القرآني في رؤيته التاريخية وفلسفته الإيمانية، وأن المنهج القرآني يختلف عن المنهج التاريخي البشري التفصيلي، وإن كان يتفق معه في عمليته ..

ففي المنهج القرآني الدقيق تغدو عملية (التأريخ) علماً كالرياضيات والكيمياء والفيزياء

·        فطريقة القرآن الكريم في التاريخ أنه عندما يروي واقعة تاريخية ما فإنه لا يحفل كثيراً بذكر التفاصيل التي قد تشوش رؤية السنن التي تحكم التاريخ، بل يكتفي بذكر ما يخدم باستنباط تلك السنن ، وهو في الغالب لا يذكر تاريخ الواقعة ،

·        و يركِّز على ذكر الخطوط العريضة للواقعة حتى يصوغها في النهاية على شكل معادلة رياضية تصلح للتطبيق على الوقائع المماثلة ،

وبهذا المنهج القرآني الدقيق تغدو عملية (التأريخ) علماً كالرياضيات والكيمياء والفيزياء ، فهي تقدم لنا التاريخ بصورة قوانين قابلة للتسخير مما يعيننا على توجيه الأحداث والتحضير الإيجابي للمستقبل الذي نريد ، ومن الأمثلة على هذا المنهج الفريد في التاريخ حديث القرآن الكريم عن أصحاب الكهف .. فمن هم أولئك الفتية ؟ ومتى وقعت قصتهم ؟ وأين يقع الكهف الذي آواهم؟ وكم كان عددهم؟ ومن هو الملك الظالم الذي فروا بدينهم منه ؟ كل هذه الأسئلة وغيرها لا يتوقف القرآن الكريم عندها، بل يمضي لبيان العبرة من القصة دون أن يحفل بالتفاصيل التي لا تقدم ولا تؤخر!                          

ومن الأمثلة على هذا المنهج أيضاً حديث القرآن الكريم عن (الذي مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خاويةٌ على عُرُوشِها ، قالَ أنَّى يُحْيي هذهِ اللهُ بعدَ مَوْتِها، فأماتَهُ اللهُ مائةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ..) ، فمن هو الذي مر؟ وما اسم القرية التي مرَّ عليها؟ ومتى كان مروره؟ كل هذه التفاصيل لا يحفل القرآن الكريم بها، بل يتوجه لذكر الخطوط الرئيسية للواقعة لإظهار السنن الإلهية التي تحكمها. 

ومن خلال هذه الأمثلة وغيرها، يظهر لنا الفارق الأهم ما بين المنهج القرآني في التأريخ ومنهج المؤرخين، الذين يكتفون عادة بسرد الوقائع، ويسهبون في ذكر التفاصيل، ولا يحفلون من قريب ولا من بعيد ببيان السنن الإلهية التي تحكم مسيرة الأحداث، مما يضيع علينا الغاية الأهم التي يفترض أن نجنيها من مطالعة كتب التاريخ. 

ومن الملاحظات الجديرة بالتوقف عندها أيضاً ، ونحن نستعرض الطريقة الفريدة التي ينتهجها القرآن الكريم في التأريخ ، أنه لا يكتفي بذكر الوقائع مجردة عن الظلال الموحية التي تصاحبها، بل يستهلُّ السرد بافتتاحية يمهد فيها للحديث عن الواقعة ، ثم يرسم الحركة التي وقعت بكل تفاصيلها، ويرسم معها المشاعر الظاهرة والباطنة ، ويسلِّط عليها الأضواء التي تكشف زواياها وخباياها ، ثم يقول للمؤمنين حُكْمَه على ما وقع، ونقده لما فيه من خطأ وانحراف ، وثناءه على ما فيه من صواب واستقامة ، وتوجيهه لتدارك الخطأ والانحراف ، وتنمية الصواب والاستقامة، وربط هذا كله بقَدَر الله وإرادته وعمله ونهجه المستقيم، وبفطرة النفس، ونواميس الوجود ، وذلك لأن التاريخ بمنظور القرآن الكريم ليس مجرد أقاصيص تحكى ، ولا هو مجرد تسجيل بارد للوقائع والأحداث ، وإنما هو وجبة روحية حية نتلقاها للدراسة والعبرة والتربية ( لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِم عبرةٌ لأُولي الألْبابِ ) ، (فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ) ، وقد تنبهت الأمم الحية إلى هذه السمة في التاريخ فأصبحت تعد دراسة التاريخ من دروس التربية للأمة، فنجدها تصوغه بصورة يؤدي مهمة تربوية في حياتها.

ومما تجدر ملاحظته هنا أن النصوص التي وردت في القرآن الكريم عن مستقبل هذا الوجود قد وردت بصيغ مجملة ، ولكنها تعطي دلالات هامة في تحديد السلوك البشري المستقبلي ، كما أن القرآن جاءت به إشارات شبه صريحة حول مستقبل بعض الأمم مثل الأمة اليهودية ، ولأن مستقبل الأمة اليهودية مرتبط بمستقبل باقي الأمم ، فإنه يمكن تحديد مسار مستقبل الأمم حسب الوجهة القرآنية ، وليس في القرآن إشارات عنصرية تجاه اليهود ولكنه يحدد مستقبلهم طبقا لقانون قرآني معجز وفريد نكتب عنه في البحث في المحور الثالث ، وأيضا ثمة ملاحظة مهمة جداً نود التوقف عندها ، وهي أن ما يقع في زمن معين من أحداث ينبغي أن لا نصدر عليه حكماً نهائياً مبرماً بأنه خطأ أو صواب، خير أو شر، إلا بعد مضي فترة كافية من الزمن، وظهور مؤشرات أكيدة على اختتام الحدث وعدم بقاء أية متعلقات به، وذلك لأن الحدث أشبه بالصوت الذي قد لا يصلنا صداه إلا بعد فترة من الزمن قد تطول وقد تقصر، وكذلك هي معظم أحداث التاريخ فقد لا تظهر نتائجها النهائية إلا بعد أمد طويل قد يستغرق أجيالاً طويلة، وجعبة التاريخ مليئة بمثل هذه الأحداث، فبوادر انهيار الخلافة العثمانية مثلاً بدأت قبل قرنين من سقوطها الفعلي، والاتحاد السوفيتي لاحت بوادر سقوطه قبل عشرين عاماً على الأقل من إعلان سقوطه الرسمي، وجسد نبي الله سليمان عليه السلام بقي فترة طويلة من الزمن قبل أن ينهار ويكتشف الجن أنه قد فارق الحياة، وهكذا هي جولات التاريخ، فإن نهاية الحدث أو نتيجته قد تتأخر كثيراً عن بدايته.

ويعلمنا التاريخ أيضاً أن لا نتعجل بالحكم على رجاحة بعض القرارات أو فشلها قبل أن نعطيها ما تستحقه من الزمن ، فكم من قرارات اتخذت في وقت من الأوقات فأيدها الناس أشد التأييد، وتحمسوا لها غاية الحماسة، ولكنها بعد حين من الزمن عادت بأفدح الخسائر والنكبات، وكم بالمقابل من قرارات عارضها الناس في حينها معارضة شديدة ، أو حكموا عليها بالفشل الذريع، ولكنها بعد حين من الزمن أثمرت أفضل النتائج، وليس صلح الحديبية الذي أبرمه النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع المشركين من قريش ، إلا مثالاً واحداً على ما نقول ، فقد عارض الصحابة رضوان الله عليهم هذا الصلح بشدة لما رأوا فيه من غمط لحقوقهم، لكن الأيام أثبتت أن الصلح كان فتحاً كبيراً للإسلام والمسلمين، فقد أظهر الصلح أن المسلمين ليسوا دعاة حرب وقتل ودمار، بل دعاة سلام وخير ومحبة ، كما هيأ الصلح جواً من الهدوء والأمان بين المسلمين وأعدائهم ما جعل الكثيرين من هؤلاء الأعداء يعيدون حساباتهم ويراجعون مواقفهم من الإسلام، فمالت قلوب كثير منهم للدين الجديد ودخلوا فيه، وبهذا قويت شوكة المسلمين، وتوسعت دائرة الإسلام، ولم يمض عامان على الصلح حتى فتح الله على المسلمين مكة سلماً بغير حرب ولا دماء، وراح الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ، وهكذا ..

فإن ما يتراءى لنا في اللحظة الراهنة أنه انتصار كبير قد يكون على المدى البعيد هزيمة منكرة ، وما يلوح لنا هزيمة مخزية قد يظهر بعد حين من الزمن أنه هو الانتصار الحقيقي ، وهذه السمة من سمات التاريخ تدل دلالة دامغة على أن التاريخ لا يسير بصورة عشوائية ، بل ترعاه العناية الإلهية التي لها وحدها القدرة على التحكم بالنتائج والنهايات ، والتي يبدو جلياً أنها وضعت للتاريخ مساراً محدداً لا يخرج عنه قيد أنملة، ولعل أجمل ما أكد هذا المعنى ما كتبه الأديب الروسي الكبير ليو تولستوي في روايته الشهيرة (الحرب والسلام)، إذ كتب يقول: (إن الأفراد ليسوا سوى أدوات طيِّعة في يد التاريخ، ينفذون الأهداف المخفية عنهم .. والعناية الإلهية تدفع هؤلاء الناس ، كلاً منهم على حده، لكي يصلوا إلى غاياتهم الشخصية ، لكن هذه الغايات المتفرقة تجتمع بعضها مع بعض لكي تحقق غاية عظيمة جداً تختلف عن كل توقعاتهم)!

وما قصة نبي الله يوسف عليه السلام مع إخوته إلا مثال آخر على ما نقول ، فقد تحايل إخوته على أبيهم حتى يرسل معهم يوسف في رحلتهم إلى مصر بحجة الحصول على المزيد من التجارة والربح، وكانوا قد أضمروا في أنفسهم التخلص منه لما يرون من مكانته من أبيه، وبالفعل ألقوه في غيابة الجُبِّ، واعتقدوا أنهم تخلصوا منه إلى غير رجعة، ولم يَدُر في خلدهم أن فعلتهم تلك سوف تنقلب ضدهم، وأنهم بتلك الفعلة وضعوا يوسف عليه السلام على أول الطريق إلى المجد.

الإعجاز التاريخي الماضوي في القرآن والسنة يورد القصة الواحدة في عدد من السور القرآنية من زوايا مختلفة

 قي هذا المحور نكتب عن الإعجاز القرآني عندما يتحدث عن الأمم السابقة، المؤمنة منها والكافرة ، فمن دلائل الإعجاز القرآني أنه يورد القصة الواحدة في عدد من السور القرآنية ، وفي كل مرة نجده يأخذ جانبا وزاوية مختلفة ولكن في إطار واحد يتناسب مع السورة .

إن القرآن الكريم كتاب الله الخالد الذي نزل على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فيه أخبار السابقين ودلائل مصارع الكافرين بالأنبياء والمرسلين ، وأكد القرآن الكريم على حقيقة الوجود التاريخي لهذه الأقوام ، كما طلب من الإنسان السير في الأرض لمعرفة عاقبة المكذبين بالأنبياء ، وهذه المعرفة من خلال الآثار الباقية الدالة عليهم ، قال تعالى  ) قلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ، في هذه الآية تحقيق للوعيد الذي توعد الله به المشركين من العرب المكذبين برسالة محمد ، وذلك من خلال الاستدلال بمصارع الأقوام السابقين وبما حل بهم من الدمار والهلاك ، حيث يدعوهم القرآن للسير في الأرض والتحقق من هذا الكلام ، كمصارع ثمود في شمال جزيرة العرب ومصارع عاد في جنوب جزيرة العرب ، وكلا الموقعين كانا على طريق قريش في تجارتها إلى الشام واليمن.

كما دلت هذه الآية على وجوب السفر للسياحة ورؤية آثار الأقوام السابقة ، لما في هذه الرؤية من الاعتبار والاستبصار والخوف من أن يحل بنا ما حل بهم إن نحن سرنا على منوالهم ونهجنا نهجهم ، وهذه الآية كقوله تعالى في مطلع سورة الأنعام ) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ( . ، وفي هذه الآية وغيرها من الآيات التي تأمر بالسير والنظر في مصارع الأمم السابقة منهج جديد في التعامل مع التاريخ لم يكن يعرفه العرب حين نزلت الرسالة ، فقد كانوا يسافرون التجارة والمعايش ، وكانوا يمرون بمصارع الأمم السابقة وآثارهم مرورا عابرا ، ولكن القرآن جاء بمنهج جديد يوجب السفر للنظر في آثار الأمم السابقة تماما كما يوجب السفر للتجارة والسياحة ، وقد جاء في القرآن الكريم أكثر من مائة موضع أثري ، سواء كانت هذه الآثار متعلقة بالمؤمنين أم كانت متعلقة بالكافرين المكذبين الذين أهلكهم الله بذنوبهم ، والنظر في الآثار يؤدي وظيفة إيمانية وهي الاعتبار بما كان في الأمم السابقة ، وفيه دلالة على إعجاز القرآن وأنه كلام الله لأنه يُخبر عن غيب لم يحصل في زمن نزول القرآن وإنما قبله بآلاف السنين ، ولقد تضمن القرآن الكريم قصص الأنبياء وأشار إلى أخبار الأمم السابقة ، وتلك الأحداث والوقائع التاريخية عن الماضين من الأمم لتثبت أن للكون إلها واحدا أرسـل رسله بالهدى ودين الحق ، وهـو الذي يحدد مصير الشعوب وأقدار الحضارات ولهذه الأحداث التاريخية أهميتهـا إذ بين الله في القرآن أخبار الأمم الماضية ، وبدارسة بعض ما جاء في القرآن الكريم عن آثار السابقين نجد الكم الكبير من تلك الآثار التي مازالت باقية حتى اليوم ، وهو ما أثبته العلم الحديث الخاص بالآثار والاكتشافات الأثرية والحفريات والأبحاث الأكاديمية ، وهو ما نكتب عنه بالتفصيل من خلال ما ورد في القرآن وما جاء في السنة المطهرة الشارحة ببعض التفصيل للقصة القرآنية ، مع ترديد القرآن دوما عن أن الحديث عن السابقين لم يكن يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم ، خاصة وأن الكثير مما ورد في القرآن جاء في التوراة ، ولكن في الرؤية الأخيرة والهدف البعيد نجد القرآن يبتعد عن التفاصيل في إيجاز رائع .

الإعجاز التاريخي المستقبلي في القرآن  اهتم اهتماما خاصا بمستقبل الأرض والكون بصيغة الماضي بتأكيد راسخ وتنبأ عما سوف يحدث

اهتم القرآن اهتماما خاصا بمستقبل الأرض والكون وتنبأ عما سوف يحدث، لدرجة أنه تحدث عن المستقبل بصيغة الماضي بتأكيد راسخ، هذا وقد وضع الشروط التي تقضي بأن هلاك الأمم أو ميلادها راجع لشروط قرآنية، وهذه الشروط تتلخص في الالتزام بالمنهج القرآني القائم على الكتاب والميزان أو التوحيد والعدل،

فبالرغم من أنّ التاريخ البشري منذ ولادة الإنسان وإلى الآن يعيش حالة الصراع والسجال  وتبادل النصر والهزيمة، ولكن القرآن الكريم يقطع:

·        بأنّ الإرادة الإلهية قد تعلّقت بأنّ العاقبة ومستقبل البشرية سيكون من نصيب الصالحين والمؤمنين الذين سيرثون الأرض وما عليها، وأنهم سيقيمون حكومة العدل والحقّ الإلهي وسيكون زمام الأُمور بأيديهم لا بيد الباطل وأهله، وانّ العالم بأسره سينضوي تحت راية الحق والعدل ولا تقوم للباطل بعد ذلك قائمة، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة 🙁 وَلََقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُور مِنْ بَعْدِ الذِّكْر أَنَّ الأَرْض يَرِثُها عِبادي الصّالِحُون ) ، وفي آية أُخرى يقول:( وَعََدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ… ) ، إنّ الاستخلاف المذكور في الآية ـ سواء قلنا: إنّهم خلفاء اللّه سبحانه ، أو قلنا: إنّهم خلفاء لمن سبقهم من الناس ـ يعني القيام بتدبير الأُمور وإقامة العدل الإلهي والقسط في المجتمع، وإعمار الأرض وإصلاحها ، وفي آية ثالثة هناك إشارة إلى أنّ العاقبة للمتّقين ( …وَالعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ) ، فالمستقبل وما سيجري فيه من أحداث ووقائع هو غيب ، لا يعلمه إلا الله ، وقد وردت آيات صريحة في القرآن الكريم تتحدث عن أخبار مستقبلية وتجزم بأحداث قادمة ، وقد وقعت تلك الأخبار كما أخبر القرآن ، الأمر الذي يدل على مصدر هذا الكتاب الرباني، ولقد تحققت هذه الأخبار المستقبلية في القرآن الكريم من خلال مظاهر كثيرة مثل تبشيره بالنصر للمسلمين في غزوة بدر الكبرى قبل وقوعها ،

·        وأن الله وضع شروطا لوراثة الأرض منها الصلاح فقال تعالى : ” … أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ” وقال أيضا ” تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ” ، هنا ندرك أن العباد الصالحين ليسوا متكبرين ولا فاسدين ، وأن شرط الإصلاح هو شرط توقيفي ، وهو ما نراه عندما يتحدث القرآن عن بني إسرائيل ، فقد أفاض القرآن بذكر بني إسرائيل وذكر ملوكهم وأنبيائهم ، ثم تحدث عن ماضيهم ومستقبلهم ضمن إطار شروط الإصلاح ، وهو في هذا لا يتحدث بمنطق قبلي أو عنصري أو شوفيني ، ولكنه يتحدث في معجزة فريدة عن مستقبل الأرض والشعوب ضمن إطار العدل والتوحيد ، والعدل هنا يشمل العدل بين الأفراد وبين الشعوب والأمم ، وإذا كان القرآن الكريم يتحدث عن “قبائل إسرائيل” ، فقد تنبأ القرآن بحدوث أحداث تخصهم منها عودتهم لفيفا ومنها ” إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ، فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة …. ” وهي الآيات التي جاءت في سورة الإسراء، ونخلص منها أن مستقبل المنطقة مرتبط بمن يحسن أو يسئ ، ولمن تكون العاقبة في النهاية ، وهي ما يؤكد معجزة الرؤية التاريخية القرآنية ، ومن ضمن نبوءات القرآن الكريم المستقبلية التي تحققت في عصرنا وسوف تتنامى في المستقبل القريب والبعيد هو التقدم العلمي الهائل والدائم والمستمر والذي ارتبط بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة على جميع الأصعدة والمحاور العلمية، وهو ما أشار إليه الكتاب العظيم في قوله تعالى : ” سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنهم أصحاب الحق …. ” ،

من هنا تبدو بجلاء أهمية الالتزام بالموضوعية والحياد والدقة في عملية التأريخ، على النحو الذي علمنا إياه القرآن الكريم ، وبهذا يمكن أن نجني من قراءة التاريخ فائدتين :

•          الفائدة الأولى : فهم السنن التي تحكم مسيرة التاريخ .

•          الفائدة الثانية : اكتساب القدرة على التعامل مع الأحداث تعاملاً إيجابياً مثمراً .

من بين المراجع:

https://islamsyria.com/site/show_articles/3462

د. محمد بورباب

الأستاذ الدكتور محمد بورباب تخصص: بيولوجية جزيئية بيولوجيا/جيولوجيا أستاذ زائر علم الأحياء الجنائي رئيس هيئة الإعجاز لشمال المغرب رئيس المؤتمر الدولي لتطوان بالمملكة المغربية رئيس تحرير مجلة إعجاز الدولية للبحث والتأمل العلمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى