الإعجاز العلمي في علوم الفضاءالكتب

الإعجاز العلمي في علوم الفضاء

تشكل الرؤية العلمية لعلم الفلك في القرآن والسنة مادة دراسية علمية غنية، منها ما أصبح حقائق علمية ثابتة ومنها ما يزال في مرحلة النظرية والتمحيص العلمي. فالقرآن الكريم لم يصطدم مع المفاهيم العلمية وخصوصا ما أصبح منه حقيقة علمية.. بل على العكس فنحن نسجل ونحن نعيش اكتشافات بداية القرن الواحد والعشرين السبق القرآني في الحديث عما وصلت إليه العلوم من اكتشافات وحقائق بعد جهد جهيد من البحث والتحري، فمنذ 14 قرنا حدثنا القرآن الكريم عن جريان الشمس، وعن أبعاد الكون وعن مواقع النجوم وعن الزمن الكوني، وعن أن الكون كان في أصله كتلة واحدة ثم انفتق وعن توسع الكون، وعن ظلمة الفضاء الخارجي وعن دورة حياة النجوم ولادتها ونضجها وموتها، وأن الرجع من خصائص السماء، وأن أصل الحديد من الفضاء الخارجي.. وعن مواضيع أخرى لم تعرفها البشرية إلا حديثا.

لقد قام القرآن الكريم بتصحيح مفاهيم كونية عند الناس عموما وعند الباحثين المختصين في علم الفلك على امتداد التاريخ والأمثلة على ذلك كثيرة منها:

ففي عهــد النـبــوة:

روى البخاري عن المغيرة بن شعبة قال‏:‏ انكسفت الشمس لموت إبراهيم المولود الذكر الوحيد الذي أنجبه الرسول صلى الله عليه وسلم من السيدة ماريا القبطية، فقال الناس‏:‏ انكسفت الشمس لموت إبراهيم،‏ فقال رسول الله‏:‏ “إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته،‏ فإذا رأيتموه فادعوا الله وصلوا حتى ينجلي”.

وفي القرن السابع عشر الميلادي

في حين قرر القرآن الكريم أن الشمس في حالة جريان وسَبْحٍ في الكون (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) يس:  38 في زمن كان الكل يقول بثباتها، وقد حوكم علماء غربيون عند توصلهم لهذه الحقيقة وهذا ما كشف عنه علم الفلك الحديث بعد قرون من نزول القرآن الكريم. والشمس نجم عادي يقع في الثلث الخارجي لشعاع قرص المجرّة اللبنية وكما جاء في الموسوعة الأميركية فهي تجري بسرعة 220 مليون كلم في الثانية حول مركز المجرة اللبنية التي تبعد عنه 2.7 × 10 17كلم وتصحب في جريانها كل الكواكب السيارة التي تطوف حولها..

وفي منتصف القرن العشرين

تم اكتشاف توسع الكون في حين قرر القرآن الكريم أن السماء تتوسع منذ 14 قرنا (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) {47} الذاريات‏. وكان كل علماء العالم يقولون بثبات الكون‏،‏ وعدم تغيره، ففي سنة ‏1917‏م أطلق ألبرت أينشتاين A.Einstein نظريته عن النسبية العامة لشرح طبيعة الجاذبية‏،‏ وظهرت نظريات تقول بأن الكون الذي نحيا فيه غير ثابت‏،‏ فهو إما أن يتمدد أو ينكمش وفقاً لعدد من القوانين المحددة له‏،‏ وجاء ذلك على عكس ما كان أينشتاين وجميع معاصريه من الفلكيين وعلماء الفيزياء النظرية يعتقدون‏،‏ واكتشف أدوين هابل قانون تمدد الكون في في هذا الوقت الذي  كان فيه الجميع ينظر إلى الكون على أنه ساكن بمن فيهم أينشتين، مما دفع أينشتين إلى وضع ثابت التثاقل (عجلة التثاقل) في قانونه “النسبية العامة” كاحتياط من أن يظهر شيء جديد يغير هذا القانون. وبعد اكتشاف هابل أن الكون يتمدد الكون، كان لابد لأينشتين أن يمحو ثابت التثاقل من قانونه، وأن يعترف بقوله “هذه أول مرة أندم فيها على خطأ كبير”. وقد قام العالم الهولندي وليام دي سيتر Williamde Sitter بنشر بحث في نفس السنة‏ (1917‏ م‏)‏ استنتج فيه تمدد الكون انطلاقاً من النظرية النسبية ذاتها‏.‏

  • ولمنعلم إلا حديثا أن الإنسان من على سطح الأرض لا يرى النجوم أبدا‏ًًً،‏ ولكنه يري مواقع مرت بها النجوم ثم غادرتها، أو أنه يرى مواقع لنجوم تلاشت واندثرت من أزمنة مديدة تتجاوز ملايين السنين، والضوء الذي انبثق منها في عدد من المواقع التي مرت بها لا يزال يتلألأ في ظلمة السماء في كل ليلة من ليالي الأرض إلى يومنا هذا.. إن هذا السبق القرآني جاء في وقت سادت فيه الخرافة وكثير من التصورات المغلوطة بشأن الكون وموقع الأرض من الكون، فقيل إن الأرض هي مركز الكون، وقيل إن الشمس ثابتة لا تتحرك.
  • بل ظل الغربيون إلى أوائل القرن الثامن عشر الميلادي يؤمنون بأن النجوم مثبتات بالسماء‏،‏ وأن السماء بنجومها تتحرك كقطعة واحدة حول الأرض‏،‏ وأن الكون في مركزه ثابت غير متحرك‏،‏ ومكون من عناصر أربعة هي التراب‏ والماء‏ ‏والهواء والنار، وحول تلك الكرات الأربع الثابتة تتحرك السماوات.
  • ويحتوي البحث على العديد من أمثلة أخرى نتطرق إليها في حينها.

لكن ما هي حدود تعامل الإعجاز العلمي مع الحقيقة والنظرية العلمية؟  ففي الوقت الذي تشتغل فيه بالإعجاز العلمي ونحن في القرن العشرين فإننا نجد كما كبيرا من الحقائق العلمية الثابتة والتي لم يتوصل إليها العلم إلا في القرون الحديثة بعد جهد جهيد من التمحيص والأبحاث المضنية والمكلفة قد تطرق إليها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بدقة علمية متناهية وفي جميع محاور العلوم. لقد وضعت في هذا الكتاب مادة خامة أولية قابلة للتطوير كما وكيفا: لكني لاحظت أنه من الناحية الكمية يستحيل حصر المادة العلمية لأنه من طبيعة القرآن والسنة  تفاعلهما مع المستجدات العلمية حسب الزمان مما يمكن النظرية من أن تتمحص وتتحول إلى حقيقة علمية وبالتالي تزداد مع الزمن الحقائق العلمية التي يتناولها القرآن والسنة، إن ما نؤكد عليه دائماً، أن الكشف العلمي المعاصر إن ارتقى إلى صعيد الحقيقة العلمية القطعية الثابتة، فلا بد أن يكون متوائماً متطابقاً مع القرآن الكريم، أما النظريات فتبقى في حيّز الأخذ والرد والنقاش والجدل، ونحن قد نهجنا منهجاً في هذا المسلك الدقيق، أننا لا نعتمد إلا على الحقائق اليقينية لأنها ثابتة لا تتغير، وفيما يخص النظريات والفرضيات فلنا فيها رأي قد يخالف بعض العاملين في هذا الحقل…

من واجب الباحثين في هذا الميدان العلمي ليس فقط التعامل مع الحقائق العلمية الثابتة ولكن كذلك الإشارة للنظريات العلمية التي تتماشى مع الاكتشافات والملاحظات العلمية..مما سيمكن أساتذتنا وطلبتنا الباحثين من المساهمة العلمية في مشروع برنامج متكامل للإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

ولتوضيح أكثر أضرب مثالا للبيان لا للحصر لكون الأمثلة كثيرة تتطلب منا جهدا علميا خاصا بالموضوع؛

فقد اكتشف أدوين هابل قانون تمدد الكون في وقت كان الجميع ينظر إلى الكون أنه ساكن بمن فيهم أينشتين، مما دفع أينشتين إلى وضع ثابت التثاقل (عجلة التثاقل) في قانونه “النسبية العامة” كاحتياط من أن يظهر شيء جديد يغير هذا القانون. وبعد اكتشاف هابل أن الكون يتمدد، كان لابد لأينشتين أن يمحو ثابت التثاقل من قانونه.

يقول موريس بوكاي في كتابه الإنجيل والقرآن والعلم: ظهرت 3 نظريات حول تمدد الكون:

إحداها تقول بأن كثافة المادة (الكتلة/ الطاقة) في الكون أقل من القيمة الحرجة وبالتالي فإن المجرات افتكت من قوة الجاذبية مما يعني أن الكون سيتمدد إلى ما لا نهاية. فما هي هذه القيمة الحرجة للكثافة؟ إنها تساوي 10 مرفوع للقوة (-29 ) جرام / سم مكعب أي ما يساوي خمس ذرات هيدروجين في المتر المكعب. وهذا يعد قليلا بالنسبة لكثافة الماء التي تساوي 500 بليون بليون بليون ذرة هيدروجين في المتر المكعب.

وأما النظرية الثانية فتقول إن كثافة المادة في الكون تساوي القيمة الحرجة وفي هذه الحالة فإن الكون يتمدد بفعل الانفجار الكوني الأول إلا أنه سيتباطأ إلى أن يصبح معدل التمدد صفرا وهذه تسمى نظرية الكون المسطح.

والنظرية الثالثة فتقول إن كثافة المادة في الكون هي أكبر من الكثافة الحرجة وبالتالي فإن قوة الجاذبية ستتغلب وسيبدأ الكون بالانكماش إلى أن يحصل الانكماش الأول أو ما يمكن التعبير عنه بلغة القرآن بالرتق بعد الفتق. (انتهى)

وهكذا نلاحظ أن حركة المفاهيم العلمية في ميدان علم الفلك كلها بما فيها ظاهرة التوسع الكوني وظاهرة “الانفجار العظيم” قد احتواها القرآن الكريم في الآيتين: (أولم ير اللذين كفروا أن السماوات ولأرض كانتا رتقا ففقناهما) الأنبياء: الآية60. (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) {47} الذاريات‏. واحتوى كذلك على النظرية العلمية السائدة والتي تقول بأن الكون في نهايته سينكمش.

وفي ميدان البيولوجيا انطلقنا من ملاحظات للعديد من الباحثين الغربيين في ميدان الصحة والتغذية تجمع بين الارتفاع في كمية الدم المتبقي في أجساد الذبائح وبين تراجع جودتها فقمنا بتجارب بمختبر التغذية والصحة بكلية العلوم بتطوان جامعة عبد المالك السعدي بالمغرب، انطلاقا من هذه الملاحظات وأثبتنا أن طريقة الذبح الإسلامي تمكن من الحصول على أحسن جودة تكنولوجية وحسية وميكروبيولوجية…

ونتائج هذه التجارب منشورة عالميا في المجلات العلمة المختصة. والأمثلة كثيرة في الموضوع وعليه فإن النظريات العلمية التي تخضع للمنهج العلمي التجريبي لا بد من إدماجها في ميادين ومجالات علوم الإعجاز العلمي،لنمكن البحث العلمي في هذا الميدان من استعمال فاعل أساسي وهو النظرية العلمية يشترط أن تكون مبنية على مشاهدات وملاحظات صحيحة مع الاشارة الى أنها لا تزال في مرحلة الفرضية, فهذا لا يضر أبدا بل يعتبر من بين محركات للبحث العلمي في ميدان الاعجاز العلمي في القرآن والسنة والله أعلم.

د. محمد بورباب

الأستاذ الدكتور محمد بورباب تخصص: بيولوجية جزيئية بيولوجيا/جيولوجيا أستاذ زائر علم الأحياء الجنائي رئيس هيئة الإعجاز لشمال المغرب رئيس المؤتمر الدولي لتطوان بالمملكة المغربية رئيس تحرير مجلة إعجاز الدولية للبحث والتأمل العلمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى