الإعجاز العلمي في الطب الوقائي

إعجاز قاعدة النظافة في الإسلام

قال الله تعالى:  (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [ البقرة:  222] (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) التوبة:  108.

المعطيات العلمية

يولي الأطباء في العالم كله اليوم اهتماما كبيرا لقاعدة النظافة،  لما لها من آثار مهمة في حماية الإنسان من أخطار الكائنات الدقيقة, بحيث أصبحت هذه القاعدة من الناحية الطبية تحتوي (في القاموس الطبى) عددا لا يحصى من الطرق والوسائل المستعملة لتجنب الميكروبات والأوساخ المختلفة, وأصبحت تغطي كل مناحي الحياة البشرية:

صحة الأغذية – صحة الفم – النظافة الشخصية – النظافة بالمستشفى – الصحة الجنسية – النظام الغذائي ونمط الحياة –وغيرها.

 Hygiène alimentaire  Hygiène buccodentaire  Hygiène corporelle  Hygiène hospitalière  Hygiène sexuelle  Hygiénique  Hygiéniquement Hygiéniste  Hygiénodiététique – وكنموذج نقدم مثالا للطريقة الطبية المستعملة في تنظيف اليدين:




Images extraite de Publications C.CLIN SUD-Est : M. Auroy : “Objectif mains ; Guide technique pour l’hygiène et la protection des mains”.

وجه الإعجاز:

اهتمام الإسلام بالنظافة أمر لا يدانيه فيه أي دين سماوي،  أو حتى مذهب أرضي قديم أو حديث..لقد كانت أول سورة نزلت في القرآن الكريم تحدثت عن العلم في قوله تعالى:  (اقرأ)،  وثاني سورة نزلت بعدها مباشرة أمرت بالنظافة في قوله تعالى:  (فثيابك فطهر).

لقد ألف الأوروبيون الذين احتكوا بالعرب في عصور ازدهار الإسلام في الأندلس أو الشرق أثناء الحروب الصليبية مئات من الكتب يقرون فيها ان المدن الإسلامية مثل بغداد ودمشق والقاهرة كانت أنظف مدن الدنيا قاطبة،  وهي أول مدن في التاريخ مهدت شوارعها ورُصفت وأُضيئت،  وكان لدى العرب مستشفيات متخصصة تُعزف فيها الموسيقى وكان لديهم نظام للعزل الصحي والمراقبة الصحية،  ولم تحدث لديهم اوبئة.. 

ويذكر برناردشو في كتابه حيرة الطبيب Doctors Dilemmaانه عندما ابتدأت بريطانيا في استعمار العالم الإسلامي عملت على إجبار سكان جزر السندويتش على ترك الإسلام،  فما أن نجحت في ذلك حتى ابتدأت الأوبئة الفتاكة تظهر بينهم وتقضي عليهم بسبب تركهم لتعاليم النظافة في هذا الدين.. 

لقد اهتم الإسلام بالنظافة منذ أكثر من (14) قرناً من الزمان،  في وقت كان الإنسان لا يعرف فيه شيئا عن أهمية النظافة في محاربة الأمراض،  ولا يعرف ما هو الميكروب أو الطفيليات،  وكان الإسلام يربط النظافة بالعقيدة،  ويجعلها جزءاً لا يتجزأ من تعاليم العبادة والصلاة. بل جعلها جزءاً من الإيمان بالله،  لقول الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم-:  (النظافة شطر الإيمان) أي نصفه،  وفي رواية:  (النظافة من الإيمان)،  وبهذا كله يجعل الإسلام مسألة النظافة عقيدة وسلوكا ملزما للمسلم في كل شؤون حياته وليست لمجرد الخوف من المرض وحده،  

والإسلام هو الدين الوحيد الذي يجعل النظافة جزءاً من العبادات،  بل في أصول الدين نفسه،  فأول خطوة للدخول في دين الإسلام هي الغسل،  أي الاستحمام،  حتى قبل شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،  ولا صلاة إلا بعد وضوء،  أي غسل الأيدي والوجه والأقدام،  وللإسلام اصطلاحات خاصة في مسائل النظافة،  فهو يكني عن الميكروبات أو الطفيليات الضارة باسم الشيطان أو الخبث أو الخطايا،  ويُعبر عن النظافة بكلمة الطهارة،  وعن القذارة بكلمة النجاسة.. 

لقد حرصت نصوص الشريعة أن تستأصل الكائنات الدقيقة من مخازنها لدى الإنسان،  أو تنظف هذه المخازن منها بقدر الإمكان،  فحالت بينها وبين إلحاق الضرر به من خلال نظم ووسائل يمارسها المسلم طاعة لربه،  ويطبقها في سهولةٍ ويسرٍ وحب. فأرست قاعدة النظافة الشخصية لأفراد المجتمع وسمتها ”الطهارة ” وجعلتها شطر الدين.

ورسخت عمليا وسائل تحقيق هذه القاعدة بتشريع الوضوء والغسل،  والتزام تطبيق سنن الفطرة من السواك،  والمضمضة،  والاستنشاق،  والختان،  وتقليم الأظافر،  وحلق العانة،  وغسل عقد الأصابع،  ونظافة السبيلين،  واجتناب النجاسات،  والحفاظ على نظافة الثياب والمظهر العام،  فهذه الأحكام الدقيقة المترابطة والتي لا مثيل لها في أي تشريع آخر،  تهدف إلى تنظيف بؤر ومخازن الكائنات الدقيقة في الإنسان،  من على الجلد ومن الأنف والحلق وقناة الهضم،  لذلك حمت هذه التشريعات المسلم من شرور الأمراض السارية والعضوية.
لقد سمّت النصوص الشرعية النظافة بالطهارة،  وجعلتها جزءاً هاما من الدين بل هي شطره كما قال،  عليه الصلاة والسلام:  “الطهور شطر الإيمان” يقول الله تعالى:  (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) [ البقرة:  222] (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ) التوبة:  108.

والطهارة لغة:  النظافة. وشرعا:  رفع حدث أو إزالة نجس وهي أعم من كلمة النظافة. ولم تقتصر الطهارة في الإسلام على البدن فحسب بل شملت طهارة الملبس والمكان،  وهي من شروط صحة الصلاة،  وهي بذلك جزء من عبادة المسلم لربه.

لقد جعل الله وسيلة الطهارة الأولى هي الماء،  فقال تعالى:

(وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) الأنفال:  11.

لقد ثبت أن الماء هو الوحيد الطاهر المطهر لغيره،  لمميزات فيه كثيرة،  أهمها:  أنه وسط غير ملائم لنمو الكائنات الدقيقة متى كان نقيا،  لعدم احتوائه على العناصر الغذائية اللازمة لنموها،  ولأن درجة حرارة الماء غير مناسبة لهذا النمو،  كما أن درجة الضغط الأزموزي للماء أقل منه عند هذه الكائنات؛ مما يؤدي إلى موتها وهلاكها لذا فالماء في ذاته طهور. وصدق الله العظيم القائل:  (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) الفرقان:  48.

  1. الوضوء وأثره الوقائي

السؤال ما هي سبل تحقيق الطهارة والتي أَوْلتها الشريعة اهتماما بالغا؟

تتحقق النظافة أو الطهارة بما فرضه الله سبحانه وتعالى،  وبما أمرت به سنه نبيه،  من الوضوء والغسل ونظافة الثياب وأماكن الصلاة وسنن الفطرة قال تعالى:  ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (المائدة:  6]. (لقد فرض الله سبحانه الوضوء على المسلم،  وسن النبي فيه سننا:  يغسل المسلم فيه الأجزاء المكشوفة من جلده (الوجه واليدين والفم والأنف والذراعين ومسح الرأس والأذنين وغسل القدمين) خمس مرات في اليوم والليلة،  وفي كل مرة يتوضأ فيها يغسل العضو ثلاث مرات.

تقول المراجع الطبية الحديثة:  إن الجلد يعتبر مخزنا لنسبة عالية من البكتيريا والفطريات،  وتوجد معظم هذه الكائنات الدقيقة بكثرة على الوجه وعلى البشرة وعلى جذور الشعر وفي الغدد الدهنية،  ويتراوح عددها من عشرة آلاف إلى مائة ألف جرثومة على كل واحد سنتيمتر مربع من الجلد. وفي المناطق المكشوفة من الجلد يتراوح العدد من مليون إلى خمسة ملايين جرثومة /سم 2.وترتفع هذه النسبة في الأماكن المخبوءة الرطبة مثل المنطقة الإربية وتحت الإبطين إلى عشرة ملايين جرثومة /سم 2. ونسبة الكائنات الدقيقة على الشعر كنسبتها على الجلد.

والأيدي من أهم العوامل في نقل الميكروب وذلك بعد السلام على المريض،  أو لمس طعام ملوث،  أو زبالة،  أو بعد ذهاب إلى الغائط. وبعض الديدان تنتقل من نفس الشخص المصاب عند التبرز إلى يديه ويختبئ بعضها تحت أظافره،  من هنا تنتقل إلى الشخص السليم،  ومن هذه ديدان الاكسوريس ودودة التنبا Taenpa،  ومن الميكروبات التي تنقلها اليد أيضاً التيفود،  الدوسنتاريا،  النزلات المعوية،  التهاب الكبد المعدي،  وهذا يُوضح لنا حكمة قول الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم-:  (إذا توضأ العبد فغسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظافر يديه)،  ولا يكتفي الإسلام بغسل الأيدي عند الوضوء،  بل يأمر بالغسل قبل الطعام وبعده وقبل النوم وبعده،  وقبل الدخول إلى المريض وبعد الخروج من زيارته،  وهذه أمثلة من أوامره بقوله- صلى الله عليه وسلم-:  (إن الشيطان حساس فاحذروه على أنفسكم من بات،  وفي يده غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه). ومن المأثورات:  (اغسل يديك قبل الأكل وبعده) والغمر هو بقايا الطعام في اليد.

فالغسل منظف لجميع جلد الإنسان،  والوضوء ينظف الأجزاء المكشوفة منه،  وهي الأكثر تلوثا بالجراثيم،  لذا كان استعمال الماء أمرا هاما،  لأن هذه الجراثيم في تكاثر مستمر،  والوضوء والغسل خير مزيل لها.
ولو استعرضنا مناطق الجسم التي يشملها الوضوء لتبين لنا أحد وجوه الحكمة العظيمة منه:  فالفم والأنف هما المدخلان الرئيسان لأعضاء الجسم الداخلية،  فنظافتهما من الجراثيم تعني حماية الأجهزة الداخلية من المرض والعطب.

أ – المضمضة والوقاية من الأمراض:

توجد في الفم تجمعات كبيرة من الكائنات الدقيقة وبأنواع مختلفة تزيد على ثلاثمائة مستعمرة انظر شكل (3\8)،  ويحتوي اللعاب على حوالي100مليون جرثومة/مم،  وقد توجد بعض الفطريات والطفيليات الأولية في عدد من الأشخاص، وتشكل أنواع الميكروبات السبحية من 30-60% من البكتيريا المتطفلة،  وهي التي تسبب التهاب اللوزتين والحلق انظر شكل (4\8). وتتغذى هذه الكائنات الدقيقة على بقايا الطعام في الفم وبين الأسنان،  وينتج من نموها وتكاثرها أحماض وإفرازات كثيرة تؤثر على الفم ورائحته،  وعلى لون الأسنان وأدائها،  وللقضاء على هذه الأعداد الهائلة من الجراثيم ومنع آثارها الضارة حرصت الشريعة الإسلامية على أمرين:  الأول:  المضمضة وهي تكرار غسل الفم بالماء عدة مرات في اليوم. والثاني:  الحث على استعمال السواك.

ب- السواك وأثره الوقائي

قال عليه الصلاة والسلام:  “تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم،  مرضاة للرب،  وما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي،  ولو أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم،  وإني لأستاك حتى خشيت أن أحفي مقادم فمي”. نعم فالسواك مطهرة للفم حقا،  فقد ثبت تكوّن غلالة رقيقة من اللعاب تلتصق بالأسنان تسمى لويحة جرثومية (Bacterial plaque) يسبح فيها عدد هائل من الجراثيم تصل إلى حوالي 100بليون جرثومة في كل جرام منها،  وهذه اللويحة أو الطبقة تتكون سريعاً،  حتى بعد تلميع الأسنان،  في أقل من ساعة،  ويزداد سمكها ويحدث فيها ترسبات رخوة كلما تركت من غير إزالة. وقد ثبت أن هذه الطبقة الجرثومية هي المسؤولة عن أمراض اللثة ونخر الأسنان،  وهكذا نشعر بعظمة أمر النبي  صلى الله عليه وسلم  أمّته على دوام استعمال السواك عند كل صلاة أو وضوء،  في قوله عليه الصلاة والسلام:  ” لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة ” رواه الشيخان. يوضح لنا أهمية حث النبي،  وحضه على السواك وملازمته له حتى أثناء الصيام،  كما ثبت في الصحيحين،  إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك،  لأن ركود اللعاب أثناء النوم أحد العوامل المهيئة لتكاثر الجراثيم وازدياد ترسباتها في هذه اللويحة. كما أن هذه اللويحة ليس لها علاقة بالأكل وفضلات الطعام،  فهي دائمة التكوين. لذا نفهم الحكمة من ترغيب النبي،  روى البخاري بسنده عن عامر بن ربيعة،  رضى الله عنه،  قال:  » رأيت النبي يستاك وهو صائم ما لا أحصي ولا أعد« وللسواك فوائد طبية كثيرة للفم والأسنان؛ حيث يحتوي على مواد مضادة للجراثيم،  وقد ثبت بالبحث أنه يقضي على خمسة أنواع على الأقل من الجراثيم المعدية والموجودة بالفم،  أهمها البكتريا السبحية والتي تسبب بعض أنواعها الحمي الروماتزمية.

كما وجد في السواك بعود الأراك مادة تجرف الفضلات وتزيح القلح وتساعد على تلميع الأسنان،  كما يتوافر فيه بكثرة حمض العفص (Tannic acid) وهو قاتل للجراثيم ومطهر قوي،  ويشفي جروح اللثة والتهاباتها.
وقد أجريت دراسة على مستعملي السواك،  ثبت خلالها أن السواك يزيل اللويحة الجرثومية وهي بكر،  قبل عتوها وتأثيرها على الأنسجة،  وتكرار السواك يومياً قبل الصلاة يؤدي إلى درجة عالية من نظافة الفم ويشفي التهابات اللثة.

ج- نظافة الأنف من الجراثيم الممرضة

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمبالغة في الاستنشاق وتكراره ثلاثا. أما استنشاق واستنثار الماء في الأنف،  فله فوائد طبية كثيرة،  أهمها أنه يزيل الكائنات الدقيقة التي تعلق في جوف الأنف وتستقر به. ولقد أثبتت الدراسات والبحوث التي أجريت بغرض معرفة تأثير الوضوء على صحة الأنف،  أن أنوف من لا يصلون تعيش بها مستعمرات جرثومية عديدة وبكميات كبيرة انظر شكل (1\8)،  وأن أنوف المتوضئين ليس بها أية مستعمرات من الجراثيم،  وفي عدد قليل منهم وجد قدر ضئيل من الجراثيم ما لبثت أن اختفت بعد تعليمهم الاستنشاق الصحيح. وبهذا ندرك عظم وصية النبي صلى الله عليه وسلم،  وقد وجد الباحثون أن نسبة التخلص من الجراثيم الموجودة بالأنف تزداد بعدد مرات الاستنشاق،  وأنه بعد المرة الثالثة يصبح الأنف خاليا تمامأ منها الوضوء وجراثيم الجلد المكشوف:

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنظافة اليدين خاصة،  وحض على غسلهما عدة مرات في اليوم:  قبل الطعام وبعده،  وبعد الاستيقاظ من النوم،  وبعد الخلاء،  وبعد كل تلوث،  وذلك لما لليدين من خطورة في نقل الأمراض وانتشار الأوبئة عن طريق مس الطعام أو الشراب أو المصافحة،  بتخليل أصابع اليدين والقدمين وغسل عقدها،  وذلك تعقبًا لما يمكن أن تحويه هذه المخابئ من الجراثيم والفطريات الضارة. كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بتعقب اليدين والذراعين والوجه وشعر الرأس والقدمين وأسفل الساقين،  فهي أجزاء مكشوفة من البدن،  وغسلها بالماء ينقيها من الكائنات الدقيقة ويزيلها عنها،  ويختبئ عدد كبير من هذه الكائنات في الأخاديد بين الأصابع وعلى عقدها. لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء المستمر والغسل،  لأنه  خير مزيل لهذه الكائنات ومجفف لهذا المخزن الخطير.

2.  الغسل وأثره الوقائي

لقد شرع الإسلام على المسلم غسل جميع بدنه بالماء على وجه الإلزام في مواطن معينة،  كغسل الجنابة والحيض والنفاس وندب إليه،  في أكثر من سبعة عشر موطنا أخرى؛ كغسل الجمعة والإحرام بل قد حدد فترة زمنية يُكرَهُ تجاوزها بغير غسل فقال عليه وسلم:  ” حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده” رواه مسلم.  إن غسل جميع البدن بالماء وجوباً أو استحباباً يحقق غاية الكمال من نظافة الجسم كله،  وتنقيته من الضرر والخبث،  ويزيل العدد الهائل من الكائنات الدقيقة التي تعيش على جلد الإنسان. وقد أثبتت عدة دراسات قام بها علماء متخصصون أن الاستحمام يزيل عن جلد الإنسان 90% من هذه الكائنات في المرة الواحدة.

3. سنن الفطرة وأثرها الوقائي

إن سنن الفطرة التي أوصى بها النبي لتمثل أساس نظافة الفرد،   قال صلى الله عليه وسلم:  “عشر من الفطرة:  “قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم (عقل الأصابع) ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء الاستنجاء”. قال الراوي ونسيت العاشرة،  إلا أن تكون المضمضة.

لقد كشفت البحوث الطبية الأهمية الصحية البالغة لتطبيق هذه الخصال وما يترتب على إهمالها من أضرار،  فترك الأظفار مجلبة للمرض،  حيث تتجمع تحتها ملايين الجراثيم المختلفة،  وبيض بعض الديدان،  وبعض الطفيليات الأولية التي يمكن أن تسبب أضرارا بالغة،  خصوصا للأطفال.

وترك شعر العانة هو المسؤول عن مرض”قمل العانة” المنتشر في أوربا،  والذي يؤدي إلى تقرحات والتهابات في هذه المنطقة،  وقد حمى الله بلاد المسلمين من هذا الوباء.

وأما الختان،  فقد أثبتت الأبحاث أن غير المختونين يصابون بمعدل مرتفع بأمراض المسالك البولية بسبب الجراثيم التي تتكاثر بسرعة في هذه المنطقة،  كما ازدادت نسبة الصديد والبكتريا لديهم في البول.
كما أثبتت بعض الدراسات العلاقة بين سرطان عنق الرحم وبين عدم اختتان الرجال،  وشيوع سرطان الحشفة.
وغسل البراجم (عقل الأصابع،  أي مفاصلها) يزيل المستعمرات الجرثومية التي تتخذ من ثنيات الجلد في هذه الأماكن كهوف وأخاديد لها،  ونتف الإبط ينظف هذا المكان المختبئ من الجلد والتي تتجمع فيه الأوساخ،  وتنمو عليها الجراثيم،  وخصوصاً الفطرية منها،  كما أن بعض الجراثيم تهوى العيش على مادة الشعر نفسها.

لقد أكد الإسلام على الطهارة،  وجعلها شرطاً لصحة الصلاة،  وأولى خطوات هذه الطهارة نظافة السبيلين،  والذي منهما تخرج نفايات الجسد،  والتي تحتوي على قدر هائل من الكائنات الدقيقة والسموم الضارة،  ويعتبر القولون مخزنا هاما لهذه الكائنات،  إذ يحتوي الجرام الواحد من البراز على نسبة 20% من وزنه بكتيريا،  وقد سماها الشارع نجاسات وأمر بغسل الدبر والقبل بالماء ليزيل أي أثر منها يمكن أن يعلق بالجسد أو بالثياب لقد بدأ الغرب في مطلع النصف الثاني من هذا القرن يطبق بعض هذه السنن لما وجد فيها من فوائد صحية،  فتنادوا الآن بها،  فقد ثبتت لديهم فائدة الاستنجاء الواقية من الأمراض . حيث أثبتت إحدى الدراسات في كلية الطب جامعة مانشيستر أن البكتريا تنفذ من ثمان طبقات من ورق التواليت إلى اليد وتلوثها،  أثناء عملية التخلص من بقايا البراز.. وقد ندرك حجم الخطر إذ علمنا أن الجرام الواحد من البراز في الشخص السليم يحتوى على مائة ألف مليون جرثرمة،  وفي المريض بمرض التيفويد قد يحوي الجرام الواحد خمسة وأربعين مليونا من بكتريا التيفويد. أما في مريض الدزنتاريا أو الكوليرا فمن المستحيل إحصاء أعداد الجراثيم لكثرتها الهائلة.

ولك أن تنظر أيها القارئ في حديث النبي عليه وسلم الذي أخبر فيه عن رجل يعذب في قبره لأنه كان لا يتنزه من بوله ويترك قطرات منه تعلق بثيابه،  عن ابن عباس قال:  “مر النبي بقبرين فقال إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول. وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة”. رواه البخاري .

فبتأملنا لهذا الحديث ندرك شدة الاهتمام بنظافة هذا المكان والتخلص من هذه النفايات الضارة. ولذلك أمر الشارع باجتناب الملابس والأماكن الملوثة بهذه النفايات أو النجاسات وعدم ملامستها حتى تطهر.
وقد ذكرت بعض الأبحاث الطبية أن إهمال نظافة الشرج والأعضاء التناسلية قد يكون سببا في إصابتها بمرض السرطان.

وزيادة في الحرص والدقة فأكثر من مادة إذا أصابت إحداها أي شيء مثل ثوب الإنسان أو جسمه أو طعامه أو شرابه أو إناء الطعام،  بل أرض الغرفة،  أرض الشارع،  أو إذا أصابت الماء الدائم المستعمل للشرب أو الوضوء. ولو كان الماء بئرا أو نهراً،  فإنها تُنجس هذا الشيء ولا يتطهر إلا بإزالة هذه النجاسة بشرط إزالة لونها أو رائحتها،  ومن هذه المواد النجسة الدم،  البول والبراز،  المني،  القيء،  الخمر،  لعاب الكلب،  لحم الخنزير وكل شيء عفن كبقايا الحيوان الميت..  وبهذه التدابير المحكمة في تحقيق نظافة الفرد المسلم تتم الوقاية من أخطار الكائنات الدقيقة والسموم الضارة والتي يمكن أن تكون سببا في مرضه أو هلاكه.

مراجع:
الإعجاز العلمي في علوم الطب الوقائي(محمد بورباب, 2013)
عبد الله المصلح, كتاب الإعجاز العلمي في القرآن والسنة, منهج التدريس الجامعي,2008 .ص 256
مقالة للد. عبدالجواد الصاوي                                                                           
http://www.eajaz.org
مقالة لسعيد بن صالح بن حسين الحمدان – الدمام                             http://www.saaid.net
/tabeeb/72.htm http://www.aly-abbara.com/livre_gyn_obs/termes/hygiene/technique_ayliffe_animation.html

د. محمد بورباب

الأستاذ الدكتور محمد بورباب تخصص: بيولوجية جزيئية بيولوجيا/جيولوجيا أستاذ زائر علم الأحياء الجنائي رئيس هيئة الإعجاز لشمال المغرب رئيس المؤتمر الدولي لتطوان بالمملكة المغربية رئيس تحرير مجلة إعجاز الدولية للبحث والتأمل العلمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى